إعادة بناء المسار المهني: التعليم والتدريب كفرصة جديدة في سوق العمل الفلسطيني

بقلم: أ. لما صبحي عواد
باحثه وكاتبه في قضايا الجندر وسوق العمل

تمر بيئات العمل في العديد من الدول، لا سيما في السياقات المتأزمة كفلسطين، بأزمات اقتصادية وهيكلية معقدة، وبمعدلات بطالة مرتفعة وبيئات تنظيمية غير مستقرة، مما يجعل المسارات المهنية التقليدية غير مضمونة، ويحوّل الاستقرار الوظيفي إلى حلم بعيد المنال.

وسط هذا الواقع المضطرب، يبرز مفهوم تغير المسار المهني “ كنافذة أمل، ونعني به الانتقال من مجال عمل إلى آخر، أو من وظيفة تقليدية إلى نمط عمل جديد يسهم بفتح افاق جديدة، كريادة الأعمال أو العمل الحر أو الرقمي…. لكن يبقى السؤال المطروح: هل يمثل هذا التغيير مخاطرة محفوفة بالمجهول، أم فرصة لإعادة البناء والانطلاق؟

في زمن تتسارع فيه التغيّرات الاقتصادية وتضيق فيه فرص العمل الكلاسيكية، لم يعد تغيير المسارات المهنية او التوجه للمسارات المهنية والتقنية خيارًا شاذًا أو مرادفًا للفشل، بل أصبح استجابة واقعية وذكية لتحديات سوق العمل المعاصر. فالتكيف مع المتغيرات وتوسيع الخيارات المهنية بات ضرورة، لا ترفًا.

ومع تفاقم الأزمات التي تعصف بفلسطين، تقف شريحة واسعة من القوى العاملة أمام ما يمكن وصفه بـ عنق الزجاجة انسدادٌ في الأفق وتكرارٌ لدورات البطالة والتهميش. ومع ذلك، فإن ما يبدو مأزقًا خانقًا قد يتحول إلى نقطة انعطاف، تُفضي إلى مسارات أكثر مرونة واستدامة.

يُعد الاتجاه نحو التعليم والتدريب والمهارات التقنية والمهنية لتغيير المسار المهني، ورغم ما يحمله من مخاطرة، خيارًا استراتيجيًا للكثيرين ممن يبحثون عن أفق جديد في بيئة تبدو محدودة النمو في المدى القريب. فريادة الأعمال والعمل المستقل والتحول الرقمي لا تفتح فقط آفاقًا اقتصادية جديدة، بل تُعيد أيضًا تمكين الأفراد من السيطرة على مساراتهم المهنية.

السياق الفلسطيني

تعاني بيئة العمل الفلسطينية من أزمة مركبة تتجلى في ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب والنساء، وركود القطاع الخاص بسبب القيود الإسرائيلية وشح الموارد وعدم الاستقرار السياسي. يرافق ذلك اعتماد مفرط على الوظائف العامة والمنظمات الدولية، ما خلق سوقًا مشوّهًا قلّ فيه التنوع وضعف فيه التخطيط المبكر للمسارات المهنية.

محفزات التغيير

الضغط الاقتصادي والمعيشي يدفع الكثيرين للبحث عن دخل بديل أو مكمل، يقابله تسارع الوصول إلى أدوات التعليم عن بعد والعمل الحر كتوجيه نحو التمكين الرقمي بحثا عن المزيد من الفرص. ويتعزز بأدوار المجتمع المدني بالمساهمة من خلال برامج تدريب ودعم نفسي وريادي قدمتها مؤسسات محلية ودولية والتي لعبت دورًا جوهريًا في تعزيز مسارات التحول المهني والتقني، وتمدد الاقتصاد غير الرسمي حيث بات سوقًا واقعيًا لمن لا يجدون فرصًا في الاقتصاد الرسمي.

أين الفرص اليوم؟

في هذا السياق، إعادة التغيير في المسار المهني استجابة ضرورية للظروف الاقتصادية المتغيرة ويبرز التغيير في المسار المهني كخيار فعّال، ففي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ظهرت مجالات جديدة لم تكن مألوفة في السابق، هذه المجالات والقطاعات لا تحتاج دائمًا إلى شهادات جديدة، بل إلى مهارات جديدة، يمكن اكتسابها عبر التدريب الذاتي أو الدورات المهنية والتقنية المتخصصة. ومن أبرز القطاعات الواعدة، العمل عن بعد، التقنية، ريادة الأعمال، التدريب المهني.

من نقطة الاختناق المسار المستقبلي

من العمل التقليدي إلى الرقمي: اتجه العديد من الخريجين نحو العمل الحر عبر الإنترنت (الترجمة، التصميم، البرمجة)، مستفيدين من توفر الإنترنت وتقلص الحواجز الجغرافية.

من التوظيف إلى الريادةرغم صعوبات التمويل، ظهرت مشاريع صغيرة شبابية ونسوية اعتمدت على الإنتاج المحلي أو تقديم خدمات مجتمعية.

من التخصص الضيق إلى المهارات المتعددة: يتبنى الكثيرون مفهوم التعلم المستمر، لاكتساب مهارات تكميلية تعزز قابليتهم للتوظيف.

العمل عن بُعد: في مجالات مثل الكتابة، البرمجة، خدمة العملاء، التي توفر فرصًا مرنة خارج السوق التقليدي.

لماذا نُغيّر مسارنا؟

قد يبدو التخصص الجامعي وكأنه التزام أبدي، ولكن الحقيقة أن المسار المهني لا يُرسم في يوم التخرج فقط، بل يُعاد تشكيله باستمرار بناءً على ما يستجد من مهارات، فرص، وتحديات، في فلسطين، حيث معدلات البطالة في صفوف الخريجين بارتفاع وخاصه لخرجي /ات بعض التخصصات، بحيث يصبح الإصرار على مسار جامد نوعًا من الإضرار بالنفس، فالسوق لا ينتظر، ولا يكافئ الجمود.

التغيير ليس ندمًا

كثيرون يظنون أن تغيير التخصص أو العمل على تغيير المسار يعني اعترافًا بالخطأ، بينما هو في الحقيقة تعبير عن النضج، فالإنسان يتغير، واحتياجاته تتطور، كما أن الاقتصاد العالمي يفرض واقعًا متغيرًا باستمرار، وربما درستَ المحاسبة، لكنك تجد نفسك أكثر شغفًا وإنتاجية في التصميم الجرافيكي أو البرمجة أو حتى في العمل الاجتماعي.

المهارات القابلة للنقل

المهارات القابلة للنقل (Transferable Skills): رأس المال الحقيقي في التحول، لا يبدأ التحول من الصفر كما يتوهم البعض، فالمهارات التي تراكمت لديك، كالقدرة على التفكير التحليلي، أو العمل تحت الضغط، أو مهارات التواصل، او الشغف بالعمل اليدوي، الرسم.. هي أدوات ثمينة يمكن توظيفها في مجالات مختلفة، ويكفي أن نتحلى بالشجاعة لننظر إلى أنفسنا ككائنات متعددة الإمكانات، لا محكومين بلقب أكاديمي واحد. ومن هنا متطلبات نجاح التغيير المهني:

  • إعادة بناء المهارات (Reskilling): تعلم مهارات مطلوبة في السوق مثل تحليل البيانات، التسويق الرقمي، البرمجة، أو اللغات.
  • شبكات الدعم: من mentors (مرشدين مهنيين) إلى حاضنات الأعمال والمبادرات المجتمعية.
  • الثقة والمرونة النفسية: القدرة على تحمل الفشل المؤقت والانفتاح على التعلّم والتجريب.

قصتك ليست مكتوبة بالحبر

الجميل في الحياة المهنية أنها ليست رواية محكمة لا يُمكن تعديل حبكتها، قصتك يمكن إعادة كتابتها، وبصورة أعمق وأكثر صدقًا مع ذاتك، قد تتأخر البداية الجديدة، لكنها ليست متأخرة أبدًا فالتغيير قد يبدو مخاطرة، لكنه كثيرًا ما يكون طوق النجاة، وما عليك/ي البدء بخطوات عملية للتفكير في تغيير المسار.

التغيير ليس فشلًا

في فلسطين، كما في أماكن كثيرة حول العالم، لم يعد الاستقرار المهني مرادفًا للثبات، بل للقدرة على التكيّف، ومن يجرؤ على إعادة اختراع نفسه، يفتح لنفسه أبوابًا ربما لم يتخيلها من قبل. فالتغيير ليس تهديدًا …  بل فرصة تنتظر من يملك شجاعة اغتنامها. وبينما تُقفل أبواب العمل التقليدي، تُفتح نوافذ جديدة أمام من يمتلكون المرونة، والاستعداد للتعلم، والقدرة على المخاطرة

تحديات تغيير المسار المهني

رغم ما يحمله التغيير في المسار المهني من وعود بكسر الجمود واستكشاف آفاق جديدة، إلا أن هذا الخيار لا يخلو من التحديات، خصوصًا في سياقات مأزومة كفلسطين، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في صياغة واقع معقد للقوى العاملة. فالتوجه نحو مسارات بديلة، مثل العمل الحر أو الرقمي أو حتى التعليم التقني، يصطدم بجملة من العوائق التي تحد من فعاليته وتقلّص من أثره. فيما يلي أبرز هذه التحديات التي تواجه الأفراد الراغبين في إعادة رسم مساراتهم المهنية:

  • انعدام الأمان الوظيفي: خاصة في المسارات الجديدة مثل العمل الحر والمشاريع الصغيرة.
  • فجوة التعليم وسوق العمل: غياب التوجيه وضعف المناهج التطبيقية.
  • المعيقات الثقافية والاجتماعية: تفضيل الوظائف المستقرة، خاصة بالنسبة للنساء.
  • قلة الدعم المؤسسي: غياب منظومات احتضان فعالة للمبادرات الريادية.

نحو بيئة داعمة

لكي يتحوّل التغيير المهني من خيار فردي محفوف بالتحديات إلى مسار مجتمعي مستدام، لا بد من تحريك العجلة على مستوى السياسات والنظم الداعمة، فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمبادرات شخصية أو قصص نجاح معزولة، بل تتطلب رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين التعليم والعمل، وتكسر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية أمام التغيير.

  • رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين التعليم والعمل، وتكسر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية أمام التغيير
  • سياسات وطنية فاعلة تُعزز من مكانة التعليم التقني والمهني، وتُسهل الانتقال بين القطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال الحوافز والتشريعات المناسبة.
  • منصات رقمية محلية تسهّل الربط بين المهارات المتاحة والفرص الحقيقية في السوق، وتدعم التعلم المستمر والتوجيه المهني الذكي.
  • تمكين مالي وفني للمشاريع الناشئة من خلال حاضنات أعمال، وقروض ميسّرة، وبرامج إرشاد تدعم الاستدامة والابتكار.
  • حملات مجتمعية وتوعوية تهدف إلى تغيير النظرة النمطية للتغيير المهني، وتُعزز ثقافة التكيّف والمرونة، لا سيما لدى الفئات الأكثر تهميشًا كالشباب والنساء.

رحابة البدائل

في ظل تعقيدات الواقع الفلسطيني، قد يبدو التغيير المهني مخاطرة غير مضمونة. لكنه، في الوقت ذاته، يمثل فرصة للخروج من عنق الزجاجة، وبناء مسارات أكثر مرونة وعدالة في سوق العمل. إن إعادة التفكير في التخصص والتوجه نحو التكيّف لا يعني التخلي عن الطموح، بل الانخراط في ديناميكية جديدة تحاكي الواقع، وتفتح أبوابًا كانت تبدو موصده. والاستثمار في هذه المرتكزات لا يعزز فقط من فرص الأفراد، بل يسهم في إعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني على أسس أكثر مرونة وعدالة، ويحوّل الأزمات إلى منصات انطلاق نحو المستقبل.

ما يمكن الختام به: في فلسطين، الخروج من عنق الزجاجة ليس مستحيلاً، بل هو مسار شاق ومبدع، تقوده العقول المرنة، والطاقات الشابة، والإرادة الجماعية

التغيير في المسار المهني في السياق الفلسطيني ليس مجرد استجابة فردية للأزمة، بل مسار نحو إعادة تشكيل الاقتصاد وسوق العمل بروح من المرونة والإبداع. ومن يملك الشجاعة للتغيير، يملك مفاتيح المستقبل.

Be the first to comment

Leave a Reply